السيد محمد تقي المدرسي
102
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
بالطبع « 1 » أن يجعل مُبْرِزه لفظ الماء ، ومتى قصد تفهيم معنىً آخر أن يجعل مُبْرِزه لفظاً آخر . وهكذا . » « 2 » وإذا تأمّلنا أكثر نجد أنَّ معنى التعهّد قريب جدا من الاعتبار ، وتوضيحه : أنَّ الاعتبار بذاته نوع تعهد ، فمن اعتبر شيئا فمعناه التزم به وقرره في نفسه وتعامل مع الآخرين على أساسه ، وأيّ معنى للتعهد غير هذا . . ومن الغريب أنّ البعض قبل نظرية الاعتبار في الوضع بينما رفض نظرية التعهّد « 3 » . وأغرب منه كلامه عن التعهّد في مقام رفض النظرية : « أنّه إنّما يصح ( التعهّد ) في فرض لا ينحصر فيه المُفْهِم للمعنى باللفظ الخاص ، بأنْ كان هناك دالٌّ آخر من لفظ أو غيره ، فيكون لهذا التعهّد معنى معقول ، كما يقع التعهد باستعمال خصوص هذه الآلة في الضرب دون غيرها « 4 » » . وجه الغرابة أنَّ هناك دائما عشرات الفرص المُتاحة أمام الإنسان لبيان مقصوده ، فهناك الإشارة والرسم والنحت واستخدام لغات أخرى بل وإبداع لغة جديدة . وعلى أيّ حال فإنَّ نظرية التعهّد هي الأكثر كمالا من نظرية الاعتبار ، بالرغم من أنَّ الاعتبار هو أيضا نوع تعهّد - فيما يبدو - وذلك لأنَّ الاعتبار هو من فعل الواضع ، بينما التعهّد هو أيضا من فعل مستخِدم اللغة بل والمستمع اليه ، فالتعهّد هو التواضع الاجتماعي واللغة في النهاية ظاهرة اجتماعية . علماً بأنّ فكرة التعهّد الاجتماعي في اللغة كانت شائعة منذ العهد اليوناني حيث أنَّ أرسطو قد ذهب إلى ذلك عندما عارض نظرية السوفسطائيين وكذلك أفلاطون الذين اعتقدوا بوجود علاقة طبيعية بين اللغة والواقع . يقول د . قدّور : « أما أرسطو فقد ذهب إلى أنَّ العلاقة بين اللفظ والمعنى اصطلاح ناجم عن اتفاق أو تراضٍ بين البشر « 5 » » . والعرب قد اهتموا بالإصطلاح أو ما سُمّي عندهم بالمواضعات وألّفوا فيها كتباً
--> ( 1 ) - هذا تعريف القدماء للماء . ( 2 ) - محاضرات في أصول الفقه ، ج 1 ، ص 52 . ( 3 ) - انظر : منتقى الأصول ، ج 1 ، ص 62 - 63 . ( 4 ) - المصدر ، ص 63 . ( 5 ) - مبادئ اللسانيات ، ص 282 .